اسماعيل بن محمد القونوي
188
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لأن من حقر الإسلام ) أشار إلى أن المفعول المحذوف هو الإسلام وتقرير البدلية بأن من حقر الإسلام ( فقد عظم الكفر ) إذ لا واسطة بينهما وفيه نظر لا يخفى ثم الظاهر كونه بدل الكل لأنهما متساويان في الصدق وهو شرط بدل الكل لأن المراد بهما الثبات على الكفر أما في الأول فظاهر وأما في الثاني فباعتبار اللازم لأنهما متغايران باعتبار المنطوق فلا يتأتى البدلية بأقسامه إلا بدل الغلط وهو لا يقع في كلام الفصحاء فضلا عن كلامه تعالى فلا بد من الاتحاد كلا أو بعضا أو اشتمالا ولا مساغ للبعضية إلا بتكلف فهو إما بدل الكل « 1 » وهو الراجح أو بدل اشتمال إن اعتبر فيهما المنطوقان فمفهوم الاستهزاء المنطوق مشتمل على منطوق إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] « 2 » . قوله : ( أو استئناف ) هذا راجح على البدل أما أولا فلأنه قدس سره قال إنهم قصدوا شأن المبدل منه مع البدل لأن من حق الظاهر أن يقولوا لأصحابهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ عقيب قولهم لِلْمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 14 ] آمنا والفرق بين اعتبار التوكيد واعتبار البدلية أنه جعل الجملة الثانية في اعتبار التوكيد في تأويل الجملة الأولى ليصح التقرير وفي اعتبار البدلية بالعكس ليستقيم التفسير ويجوز أن يقال في توجيه البدلية أن قوله : إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] دل على تعظيم الكفر وقوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] دل على تحقير الإسلام ولزم من مفهوم تحقير الإسلام تعظيم الكفر فالجملة الثانية باعتبار المعنى اللازم لها صح أن يكون بدلا من الأولى بدل الكل وهذا هو معنى قوله لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر فقد اشتملت الثانية على أن معنى الأولى مع الزيادة . قوله : أو استئناف ومبني الاستئناف أيضا على أن يراد بإنا معكم على الكناية إنا موافقوكم وموالوكم فإن قولهم هذا محل أن ينكر عليهم أصحابهم ويسألوا بأنه إن صح أنكم موافقونا وموالونا فما بالكم توافقون أصحاب محمد في الإيمان فقالوا في جوابهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنقف على أسرارهم ونأخذ من أموالهم وغنائمهم قال الشيخ أكمل الدين حاصله إنه من أمثلة القطع للوجوب لكمال الاتصال إما لأنه توكيد وإما لأنه بدل وإما لأنه استئناف وفي ذلك كله قوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] كناية أما على الأول فلأنه ذكر وأريد به ملزوم من ملزوماته وهو دفع حقيقة الإسلام فإنه يستلزم الاستهزاء به فكان من ذكر اللازم وإرادة الملزوم ولما كان معنى قوله : إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] على مقتضى الظاهر أو على خلافه الثبات على اليهودية ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] على معنى
--> ( 1 ) وفي صورة كونه ليس المبدل منه في حكم المطروح بل هو مقصود أيضا كما صرح به الزمخشري في قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الآية وهذا مؤيد لما قلنا من أن بعض أفراد البدل عدم كونه محلا للإعراب لا يضر كما أن بعض البدل كونه مقصودا لا يضر مع تعريفه أنه تابع مقصود بالنسبة دون متبوعه تأمل . ( 2 ) نقل عن بعض الحواشي أن المراد بالبدل هنا ليس أحد التوابع المشهورة فإنه لا يكون في الجمل الاسمية وقد جاء في الفعلية كقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ [ الفرقان : 68 و 69 ] فالمراد هنا أن الجملة الثانية تسد مسد الأولى وتغني عنها غناء المبدل عن المبدل منه انتهى ولم يبين الفارق بين الاسمية والفعلية حتى يعلم صحته في الثانية دون الأولى فلا جرم فالاعتماد عليه قطعا .